عين القضاة
مقدمة 89
شكوى الغريب عن الأوطان إلى علماء البلدان
فإنها وضعت للدلالة على معان غير هذه المعاني المقصودة بها ؛ فمن سمعها فلا بدّ وأن تسبق إلى فهمه عند سماعها ، مفهوماتها الخاصة بها بالضرورة . وإنما يشم مبادى روائحها قليل من فحول العلماء الناظرين في العلوم الحقيقية . وعذرى في ذلك واضح ، فمن أراد أن يفهم الأكمه كيفية ادراك الألوان أو العنين حقيقة لذة الوقاع ، لم يكن له بدّ من أن يقول للإنسان معنى يدرك به الأشياء كما يدرك بسائر الحواس ، ومع ذلك فتلك المدركات لا تناسب المذوقات والمشمومات والمسموعات والمعقولات . وهذا يعسر على الأكمه التصديق به ؛ وإن اعترف بلسانه وقال : قداعتقدت ذلك اعتقادا يقينا ، علمنا أن اعترافه ايمان بالغيب ، وأن اعتقاده لا بدّ وأن يكون مركبا من خيالات فاسدة قد عشّشث في دماغه . وكذلك إذا قيل لنا أن في الآخرة أمورا لا تناسب المحسوسات ولا المعقولات ، عسر علينا التصديق بذلك إلّا أن نؤمن بها بالغيب ايمان الأكمه بالألوان ، إلى أن نصل إليها ذوقا . ولهذا المعنى رأيت الاختصار في ذكر أحوال النفوس وأطوارها أولى ؛ ولعلّ القدر اليسير الذي ذكرته كان الأولى أيضا تركه ؛ فإن الأكثرين يستبعدون ذلك فينكرونه ، ويتضرّرون بإنكاره . الفصل التاسع والثمانون ( إن العقل لعاجز عن ادراك أمور الآخرة ) كأنك بعقلك الضعيف تبادر إلى التكذيب بقولنا : أمور الآخرة لا تناسب المحسوس ولا المعقول ، وتقول : كفى ببطلان هذا القول شاهدا حكم العقل بطريق